(من 10) 4 : درجة المقال
226 : عدد الأصوات
�������������� > الغایة الأساسیة للزواج – مواصفات الزوج أو الزوجة
السؤال:

الرجاء تبیین الغایة الأساسیة ألتي یجب أن یتّبعها الإنسان في أمر الزواج و کذلک مواصفات و ميّزات الزوج أو الزوجة ألتي تمکّننا الوصول إلی تلک الغایة.

الجواب:

السؤال الذي طرحته حول الغایة من الزواج و صفات الزوج أو الزوجة ألتي تمکّننا من الوصول إلی هذا الأمر مهم للغاية و یتطلّب نقاشاً طویلاً تفصیلیاً جداً و في هذا المجال التطلّع علی ميّزات الشخص و صفاته النفسانیة و وضعه العائلي و الإجتماعي و غیر ذلک یکون مؤثّراً في نوعیة الجواب و من الواضح أنّ هذا خارج عن نطاق هذه السطور.

نظراً لأهمیة هذا الموضوع في حیاة الإنسان، فإنّ أصحاب الفکر الإسلامي عندما یدخلون في هذا المجال، یصرفون في بعض الأحیان، الأیام و الشهور في نطاق جلسات عدیدة للنقاش و تبادل الآراء و کما تعلم فإنّ العدید من الکتب قد ألّفت حول هذا الموضوع، و لذا فأنّنا و في هذا المقال فقط نستطیع أن نشير إلی بعض أهمّ المواضيع في هذا المجال باختصارٍ. و إن کنت تطلب شرحاً مفصّلاً لقسمٍ خاصّ من المواضیع، نتمنّی أن تطلبه من أصدقائک في موقع الرشد و کذلک تتفاهم معه إن لم تکن المقالة المرسلة إلیک سلیسة و واضحة.

 

المصیر الأبدي

            یجب علی الإنسان أن یتّبع غایةً أساسیةً، لا فقط في أمر الزواج فحسب، بل في کل أمور و مراحل حیاته؛ و هذه الغایة هي طاعة الرب و التقرّب إلیه سبحانه و تعالی. و إنّ کل غایة سواها فارغة و زائلة، و لو کان عمل الإنسان لتنفیذ أمر الرب و کان هدفه إطاعة المعبود و عبودیته، فإنّ عمله لن یکون محدوداً بهذه الدنیا الفانیة، فانّ عمله سیتّصل بالله سبحانه و تعالی و یتّخذ صبغة إلهیة و سیجني الإنسان من ثمراته إلی الأبد و یقدّم صاحبه خطوة نحو خالقه الرحیم. و القرآن أیضاً یذکّرنا في مواقف عدّة بهذه النقطة، حیث یقول البارئ سبحانه و تعالی: " کل من علیها فان، و یبقی وجه ربک ذو الجلال و الإکرام " (1) و أيضاً یقول : " صبغة الله و من أحسن من الله صبغة . . . " (2)

من الممکن أن تکون هذه تجربة جدیدة في حیاتنا أو تکون هدفاً مثالیاً و غیر قابل للوصول في رؤيتنا، لکنّه و بالحقیقة و الواقع قابل للوصول و لو حصلنا علیه سوف ينفتح أمام أعیننا عالم جدید و من الممکن أن نشاهد مناظر من الجنة في حیاتنا الزوجیة.

 

معاً في سبیل المحبوب

            بما أنّ الزواج مرحلة حساسة من مراحل حیاة الإنسان و لها أثرها المصیري في حیاته المادّیة و المعنویة، فأنّ تعیین الغایات الأساسیة في أمر الزواج تفوق أهمیتها سائر مجالات الحیاة. و تقول لنا التعالیم الإسلامیة بأن نجعل غایتنا من الزواج، التقرّب إلی الله و طاعته و یعني هذا أن نجعل هدفنا من الحیاة الزوجیة المساعدة و التعاون في طاعة و عبودیته الله سبحانه و تعالی. و یسعی الإثنان (الزوج و الزوجة) في کسب مرضاة الخالق في کل الأمور و أداء الواجب في جمیع لحظات الحیاة و أن یساعد الزوج زوجته في هذا المجال.

لو أخذت حیاتنا الزوجیة هذه الصبغة و بنیت علی هذا الأساس، سیزداد الحُبّ بینهم شیئاً فشیئاً و من البدیهي أن تکون هذه الحياة الجديدة (و حسب ما قدمناه) أبدية لا یدخل فیها الفناء. بما أنّ الأئمة الأطهار (علیهم السلام) و في کلام لهم، بیّنوا لنا أن مثل هذه الحیاة الزوجیة لا تنقطع حتی في الجنة و سیکون نور الزوجة أکثر من حور العین ألتي شاع صیت حسنها. و سیعیش الإثنان (الزوج و الزوجة) في الجنة جنباً إلی جنب.

 

زوجة هکذا ...

            إنّ جواب القسم الثاني من السؤال قد إتّضح في ما مضی و هو أنّ من المستلزمات الزوجة التي تستطیع أن تساعد الزوج في ذلک الطریق، أن تنتخب الزوجة کزوجها ذلک الهدف (المذکور) من بین الأهداف المختلفة ألتي یختارها الناس لحیاتهم،  بوعیٍ و حرّیةٍ کاملین. و الصفة البارزة لهؤلاء الناس أنّهم یسعون في تقوی الله و إجتناب المحرّمات.

            أمّا من الناحیة العملیة، فکیف نستطیع أن نتطلّع علی صفات الزوج الذي نرید إختیاره و کیف نختبره؟

            علینا أن نلاحظ أنّ لعائلة الزوجة تأثیراً عمیقاً علی أخلاقها و صفاتها، فإن کان نظماً و تفاهماً عاماً یسود عائلة الزوجة، فهذا یعتبر ميزة غالية؛ نقصد أن یکون الأب حین تلاطفه و أنسه بالأسرة، مدیراً قویاً لهم و أنّ الأمّ لا تنسی المحبة و العطوفة للعائلة خلال منعطفات الحیاة المتتالیة.

            و علی هذا الأساس و بغضّ النظر عن التأثیرات الإجتماعیة و أثرات البیئة في المجتمعات المختلفة، فمن الطبیعي أن یکون أساس شخصیة الإبن و کیانه یشبه الأب و کذلک البنت للأم فأنّه بالتدقیق في شخصیة و صفات الأب و الأم، یمکننا أن نطّلع بصورة نسبيّة إطّلاعاً علی شخصیة و صفات و أهداف الإبن أو البنت الذي أو التي نريد الزواج معه أو معها في المستقبل.

            الإستفسار و السؤال من أقارب عائلة الزوج یعتبر أیضاً وسیلة مناسبة تساعدنا کثیراً في هذا المجال. و أیضاً یجب علینا أن نعلم أنّ الجمال و الإناقة هي مهمّة و لکن بالدرجة الثانیة من الأهمیة و الأهمّ هو الخلق الحسن و الهدف المتعالي، لأنّ الإنسان یعیش مع أخلاق زوجه و سلوکه لا مع جماله و لا حتی دراساته العليا و لذا لو بحثنا سنجد أنّ کثیراً من الرجال و زوجاتهم لهم مدارج علمیة عالیة، أو لهم صفات ظاهریة فريدة، و لکن مع ذلک یعیشون حیاة زوجیة سیئة للغایة.

إذن لا یبقی لنا أدنی شکّ بأنّ أساس و عمق الحُب و العطوفة الموجودة بین الزوجین و إستحکام حیاتهما الزوجیة یعود إلی الحوافز و الأهداف لهذا الزواج. إذن فانّ أرقی الأهداف للزواج، ستُحدث أقوی الصِلات بین الزوجین في حیاتهم. و لو إنتخبا الأهداف الإلهیة حقاً، فإنّ من الطبیعي سیسعيان للوصول إلی هذه الأهداف في جمیع لحظات حیاتهما و سیساعد الواحد منهما الآخر في هذا الطریق و في هذا الشکل من الحیاة الزوجیة، ستتأصّل المحبة و العطوفة و تدوم.

 

أجمل زواج، أقوی حُب

            إنّ النموذج البارز للحیاة المفعمة بالمحبة التي ذکرناها، حیاة أمیرالمؤمنین و فاطمة الزهراء (سلام الله علیهما) و یجدر بنا أن نشیر هنا إلی مقتطفٍ منها کشاهد علی ما مضی من کلامنا. الحیاة التي کان سبب الوحدة و الألفة فيها و بين أرکانها حُبّ الله و کانت لحظات تلک الحیاة مليئة بذکره سبحانه دوماً ...

            بعدما زوّج الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)  فاطمة الزهراء (علیها سلام) من أمیرالمؤمنین (علیه السلام)، دخل یوماً في بیتهم، فسأل علياً (علیه السلام) : کيف وجدت أهلک؟ قال: "نعم العون علی طاعة الله". و سأل فاطمة (علیها سلام) فقالت: "خير بعل". فقال الرسول: "اللّهمّ اجمع شملهما و ألّف بين قلوبهما و اجعلهما و ذرّيّتهما من ورثة جنّة النّعيم و ارزقهما ذرّيّةً طاهرةً طيّبةً مباركةً و اجعل في ذرّيّتهما البركة و اجعلهم أئمّةً يهدون بأمرك إلى طاعتك و يأْمرون بما يرضيك‏."(3)

            لو تأمّلنا قلیلاً، سنستغرب و نتعجّب کثیراً. فانّه و مع وجود شتی الکمالات الموجودة في فاطمة الزهراء (علیها سلام)، فأنّ أمیرالمؤمنین (علیه السلام) عندما یرید وصفها، تکون قمّة کلامه هي أنّها نعم العون علی طاعة الله.

            و هذا مع العلم بأنّهما لم یکونا قد ترکا الحیاة العادّیة إشتغالاً بالعبادة دوماً، بل کانا کسائر الناس یعیشان حیاتهما الطبیعیة، و لکن کانت غایتهما من النوم و الطعام و العمل و سائر أرکان الحیاة هي طاعة الخالق و تحصیل رضاه سبحانه و تعالی و کانا یقصدانه و یبغيانه و لا یشرکان به أحداً. و هنا یَکمن السرّ المحبة و العاطفة التي کانت موجودة بینهما. نعم، إنّ رضاه سبحانه و تعالی یخلق أقوی بناء وثیق في العالم.

 

الزواج هو السکون و الطمأنینة الشاملة

            متابعة لهذه الرؤية إلی قضية الزواج، فانّ النتاج العملي الذي یذکره القرآن الکریم للزواج هو السکون و الطمأنینة الشاملة لکل أبعاد و کیان الإنسان، و کما تعلمون فإنّ الله سبحانه و تعالی یعتبر غایة الزواج الحصول علی السکون و الطمأنینة و یقول عزّ من قال: "و من آیاته أن خلق لکم من أنفسکم أزواجاً لتسکنوا إلیها و جعل بینکم مودّة و رحمة إنّ في ذلک لآیاتٍ لقوم یتفکّرون"(4)  و بما أنّه سبحانه و تعالی لم یجعل قیداً للسکون و الطمأنینة، نستنتج أنّ الطمأنینة الحاصلة من الزواج تظهر في کل شؤون الحیاة و أنّ الزوجین سیحصلان علی طمأنینة و سکون في الأمور الإقتصادیة و الإجتماعیة و المادّیة و الأهمّ من ذلک المعنویة و النفسیة، حیث يبتعد عنهم التشويش و القلق و الإضطراب الکامن في وجودهم.

            من الطبیعي أن یکون الحصول علی السکون و الطمأنینة في الشؤون المادّیة و المعنویة، هو إحدی الحوافز للإنسان یحرّکه نحو الزواج؛ لأنّه و قبل الزواج فأنّ الإنسان یشعر بوجود إضطراب و قلق في أعماقه و یسعی في إزالتهما. و عندما یسعی نحو الزواج طاعةً لأمر الله و تقرّباً به سیحصل علی السکون و الطمأنینة أکثر من آخرين، لأنّه و بنصّ القرآن الکریم فانّ الأمر الذي یشفي صدر کل إنسان و یطمأنه هو ذکر الله سبحانه و تعالی.

 

بدایة حسنة، مقدّمة لمواصلة المسار

            إضافةً للموضوعات التي ذکرناها، یجب أن نلفت الأنظار إلی أنّ الزوج الصالح (و مع أهمیته) یعتبر نصف الطریق فقط و یجب أن لا نکتفي به و النصف الآخر هو السلوک الحسن و البقاء و المعاضدة جنباً إلی جنب في کل منعطفات الحیاة.

            هذا الأمر قضیة مهمّة له الدور الأساسي في سعادة الإنسان في بقیة حیاته.

إذن فلنتّخذ هدفاً ربّانیاً لحیاتنا و لنعیش لحظات حیاتنا کما یُحبّ و یَرضی.

_________________________

الهوامش:

1- سورة الرحمن، الآیة 26 و 27

2- سورة البقرة، الآیة 138

3- بحار الأنوار، مجلد 43، صفحة 117

4- سورة الروم، الآیة 21

 


إعطاء الدرجة

إرسال الراي او سؤال

الطبع

المؤشرة

الرجوع