(من 10)10) 7 : درجة المقال
22  : عدد الأراء
واقعة الغدير و أهميتها (1)    
 
 
   

لحياة رسول الله (ص) في كل لحظاتها أهمية خاصة عند المسليمن، وعلاوة على النص القرآني الشريف فالرسول (ص) لاينطق عن الهوى و كلامه هو كلام الوحي (2)، وفعله هو حجة على كافة المسلمين و هداية للعالمين على الصراط المستقيم(3). ومن أهم هذه اللحظات والتي لها أهمية خاصة هي واقعة الغدير، لإنها واقعة مضيئة في تاريخ الإسلام. ما أقل الحوادث في تاريخ الإسلام التى تساوي واقعة الغدير من جهة السند و التأكيد من صحّتها بين علماء المسلمين.

حينما ننظر الى رواة هذا الحديث، نرى في النظرة الأولى أسامي أهل بيت رسول الله، ومنهم الإمام علي (ع)، فاطمة الزهراء (ع)، الإمام الحسن (ع) و الإمام الحسين(ع) ومن بعدها نرى 110 أشخاص من صحابة رسول الله (4) و منهم أصحابه البارزين مثل:

1ـ ابوبكر بن ابي قحافه   2 ـ عمر بن ‌الخطاب   3ـ عثمان بن عفان       4 ـ عايشه بنت ابي‌بكر   

 5ـ سلمان فارسى            6 ـ ابوذر غفارى    7ـ عمار ياسر            8- زبير بن عوام    

9ـ عباس بن عبدالمطلب  10- ام سلمه         11- زيد بن ارقم   12- جابربن‌عبدالله انصارى

 13ـ ابوهريره                14ـ عبدالله بن عمر بن الخطاب           و .  .   

وقد کانوا کلهم من الحاضرين فی موقع الغدير و نقلوا حديث الغدير دون أي واسطة. ثم من بين التابعين (5)، 83 شخص الذين نقلوا هذا الحديث و  نذكر من بينهم:

1ـ اصبغ بن نباته          2- سالم بن ‌عبدالله ‌بن ‌عمر بن الخطاب            3ـ سعيد بن جبير

4 ـ سليم  بن قيس          5- عمر بن عبدالعزيز(خليفه اموي)                  و . . .  

فی المرحلة التالية، 3600 شخص من علماء السنة كتبوا حديث الغدير في كتبهم و من أهمها ثلاثة من الصحاح الستة (6)   و شخصين من قائدي أهل السنة (7)،(8).

كثير من محدثين الشيعه نقلوا هذا الحديث في كتب مختلفة و عددها غير معلوم. و من هؤلاء العلماء:

الشيخ الكليني         2- الشيخ الصدوق           3ـ الشيخ المفيد           4 ـ سيدالمرتضي         و الى أخر... (9)

على أساس ما نقلنا،  كثير من كبار أهل السنة و محدثيهم، بعد أن دقّقوا في طرق نقل هذا الحديث، إحتسبوه حديث حسن (10) (11) و كثير من العلماء حكموا أنه رواية صحيحة (12)(13) وحتى بعض من علماء السنة ذكروا بأنه من الاحاديث المتواترة (14) لأنه قد نقل من طرق متعددة(15). و علماء الشيعة متفقون على تواتر هذا الحديث (16)،(17)

و على حسب ما نقلنا، فقد اتضح لنا بأن واقعة غدير خم هي احدى أهم الوقائع في تاريخ الاسلام، والتي هي واقعة معتبرة بين العامة. 

من جهة أخرى، فإن سر البقاء الأبدي لهذه الواقعة هو نزول آيتين من القرأن الكريم إحداهما آية 67 من سورة المائدة (18) و الآخر الآية الثالثة من تلك السورة (19)، و المفسرين المعروفين من الشيعة و السنة اعترفوا بشأن نزولهما هي لواقعة الغدير لا غير(20)،(21). و حينما نتمعّن في أمر هاتين الآيتين و في لحنهما و نقارنهما بآيات أخرى نجد بأنهما تتميّزان عن الآيات الأخرى وعدد الآيات التي تماثلها في اللحن قليلاً. وعندما يقرأ الفرد المسلم هذه الآيات عند تلاوته للقرآن، يتسائل عن مدى خطورة الموضوع والذي بعدم إبلاغها كان الله ليحبط أتعاب النبي التي تحمّلها في خلال 23 سنة من رسالته، و إن لم يفعل النبي ذلك فما بلّغ رسالته الى الناس و ما كان ليعمل بتكليف النبوة و الله قد وعد رسوله لينصره و يحفظه بإبلاغه هذه الرسالة، و إن إبلاغها الى الأمة و إتباع محتواها هو سبب إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الله؟  (22)

طبقاً لهذه الوقائع يمكن الاستنتاج بأن المؤرخين حسب فنّ مهنتهم (وطبعاً، طبقاً لنتائج هذه الدراسات) يلتفتون الى هذا الواقعة بحذر (23) ويعتقدون بصحّة وتواتر حديث الغدير، و لأن وظيفة المحدث هو البحث عن الأحاديث الصحيحة و دراستها فكثير من المحدثين يتوجهون اليه (24)، فله مقام خاص في كتب الأحاديث المختلفة. بعد نزول آيتين من القرآن حول هذه الواقعة التي قد بيّنت فيها مفاهيمها الخاصة ولحنها النادرة من بين بقية الآيات، فالغدير له مقام خاص في التفاسير (25) و على اساس مفاهيم الآيات و أثرها الجبّار على العقائد، وأيضاً كتب المتكلمين حول هذه الواقعة (26)، واللغوين توجهوا إلى هذا الحدث المهم توجّهاً خاصّاً و عند شرح كلمة "غدير الخم" (إسم المكان) أشاروا إلى هذه الواقعة أيضا (27). وحتى الأدباء و الشعراء، من تلك اللحظة الى يومنا هذا، وصفوا و شرحوا هذه الواقعة دائماً في آثارهم و أشعارهم (28).

كان هذا ذكر أهمية رواية غدير خم  الى حدٍ مقدور في هذا المقال. في هذا المجال سنبحث و ندرس حول هذه الواقعة العظيمة الإسلامية في هذا الزمان من حياة النبي، لندرسه بقدر الإمكان من زوايا مختلفة. ولهذا فإنّ في الجزء القادم، سنروي أصل هذه الواقعة بصورة التي اشتهرت بين المسلمين، ثم سندرس الموارد المختلفة في حديث الغدير و ندقق أكثر على مفاهيمها، وفي الخاتمة سوف نذكر النتائج التى نستحصل منها تبعاً لواقعة الغدير و يجب على المسلمين أن ينتبهوا اليها بشكل خاص. 

في السنة العاشرة بعد الهجرة، قصد النبي حج بيت الله بأمرٍ من الله و أعلن النبي بقصده للحجة (29) حتى أرسل رسلاً الى المناطق الأخرى لكي يخبروا الناس بأن النبي (ص) قد قصد لآخر حجة  وعلى من يستطيع، أن يرافقه في هذه السفرة. كان الرسول قد إعتمر من قبل مع عدة أصحابه (30) ولكن هذه السفرة كانت هي الأولى من نوعها بأمرٍ من الله وفيها قصد الرسول أن يحج و يعلّم مناسكه لأول وآخر مرة الى أن توفى. بعد أن علم الناس بهذه السفرة توافدت جمعٌ كثير من الناس ليرافقوه في حجّته. سمّى المؤرخون هذه السفرة بحجة‌ الوداع (31) ، حجة الاسلام ، حجة ‌البلاغ (32) ، حجة الكمال و حجة التمام (33). 

خرج  الرسول من المدينة مغتسلاً مترجّلاً، وكان يوم السبت 24 أو 25 من ذي القعدة، رافقه أهل بيته و عامّة المهاجرين و الأنصار و خرج من المدينة ومعه عدد كبير من الناس وقد اجتمعوا حوله. وقد قيل بأن خرج معه بين 70,000 الى 120,000 من الناس(34)، وأما الذين حجّوا معه في هذه السفرة وعملوا بمناسك الحج مع الرسول فكانوا أكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة والذين أتوا من بلدان أخرى. كان الإمام علي (ع) حينها في اليمن يقوم بالتبليغ ونشر التعاليم السماوية، وبعد أن علم بأمر رسول الله قصد الى مكة مع جمع من اليمنيين ليلتحقوا بالرسول قبل بدأ المناسك (35). 

لبس الرسول لباس الإحرام مع أصحابه في ميقات الشجرة ومن ثمّ بدأوا بمناسك الحج. كان الرسول قد علّم الناس مناسك الحج من قبل عن طريق الوحي، ولكن في هذه المرة عمل بهذه المناسك و في كل موقف وضّح لهم جزئياتها وتكلّم حول تكاليفهم الشرعية. 

وبعد انتهاء المناسك و انصرافه راجعاً الى المدينة ومعه من كان من الجمع المذكور، وصل الىغدير خم عند منتصف الطريق. تعني كلمة الغدير في اللغة، مسيل ينزل منه الماء (36)، وكان غدير الخم مكان يجتمع فيه ماء المطر و لذلك اشتهر بغدير الخم. إن الغدير واقع 3-4 كيلومترات من الجحفة، والجحفة 64 كيلومتر من مكة، والتي هي إحدى الخمس ميقاتات ومنها تتشعّب طريق المدينيين و المصريين و العراقيين وأهل الشام (37). بسبب ذلك الماء القليل في غدير الخم والأشجار المعمّرة، كانت هذه المنطقة موقف القوافل ولكن حرارتها شديدة جداً لا تطاق (38). 

فلما وصل رسول الله يوم الخميس 18 من ذي الحجة الى غدير الخم، وقبل أن يتشعّب المصريين و العراقيين و الشاميين، نزل اليه جبرائيل الأمين عن الله بقوله : « يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس» (39). أمر الله رسوله أن يبلّغ الناس بما أنزل في علي من قبل. وقد کانوا قريباً من جحفة، فأمر رسول الله أن يرد من تقدّم و يحبس من تأخّر عنهم (40). فأمر اصحابه أن يهيئوا له مكان تحت الأشجار و يقطعوا الأشواك و يجمعوا الأحجار من تحتها. في ذاك الوقت، نودي الى فريضة الظهر فصلاها في تلك الحرارة الشديدة مع الجماعة الغفيرة التي كانت حاضرة(41)،(42). ومن شدة الحرارة كان الناس يضعون رداءهم على رؤوسهم (من شدة الشمس) والبعض تحت أقدامهم من شدة الرمضاء (43). وليحموا الرسول من حرارة الشمس وضعوا ثوباً على شجرة سمرة كي يظللوه، فلمّا انصرف من صلاته، قام خطيباً بين الناس على أقتاب الأبل و أسمع الجميع كلامه وكان بعض الناس يكررون كلامه حتى يسمعه الجميع. 

فبدأ بخطبة الناس، وهذه فقرة من خطبته: الحمد لله و نستعينه و نؤمن به، و نتوكل عليه، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا الذي لاهادي لمن ضل، و لامضل لمن هدى، و أشهد أن لا اله الا الله، و أن محمداً عبده و رسوله – أما بعد-: أيها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير وأنى أوشك أن أدعي فأجيب(44) و إني مسؤول و أنتم مسؤلون فماذا أنتم قائلون (حول دعوتي)؟

قال الحاضرون: نشهد أنك قد بلّغت و نصحت و جهدت فجزاك الله خيرا(45). 

ثم قال رسول الله: ألستم تشهدون أن لاإله إلا الله، وأن محمداً (ص) عبده و رسوله، وأن جنته حق و ناره حق و أن الموت حق و أن الساعة آتية لاريب فيها و أن الله يبعث من في القبور؟ قال: أللهم اشهد.

ثم أخذ الناس شهود على ما يقول ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟"

 قالوا: نعم   يا رسول الله (46).

قال: فأني فرط على الحوض، و أنتم واردون على الحوض، و إن عرضه ما بين صنعاء (مدينة في اليمن) و بصرى (قصبة قريبة من الشام) فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين (الشيئين الثمينين).

فنادى مناد: "وما الثقلان يا رسول الله؟"

قال الرسول:"الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا (إن التزمتوا به وتمتعتم من هدايته) لاتضلوا، و الآخر الأصغر عترتي، و إن اللطيف الخبير نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (47) فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، و لاتقصروا عنهما فتهلكوا (48)"

ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى يراه الناس كلهم (49) فسأل الرسول الحضور "أيها الناس ألست اولى بكم من أنفسكم؟(50) (51)"

فأجابوا: "نعم يا رسول الله".(52)

فقال: "إن الله مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم (53)"

ثم قال: "فمن كنت مولاه فعلي مولاه" (54) يقولها ثلاثة مرات (55) ثم قال "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (56) و انصر من نصره و اخذل من خذله (57)"

ثم خاطب الناس: "يا أيها الناس، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب" (58)

ولمّا تفرّقوا حتى نزل جبرائيل بقوله من الله « اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا» (59) فلما نزلت هذه الآية قال النبى: الله أكبر على اكمال الدين و إتمام النعمة و رضي الرب برسالتي ولولاية علي من بعدي(60). 

ثم طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وممن هنأه في مقدّم الصحابة: أبوبكر وعمر. وقال عمر: بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة" (61) 

وفي هذا الوقت، حسان بن ثابت الذي كان من شعراء العرب، أذن من الرسول (ص) أن يقول في ما سمع من رسول الله (ص) في هذا الموقف حول الإمام علي (ع)، فقال الرسول الأكرم (ص): "قل على بركة الله"، فقام حسان وقال: "يا معشر المشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله ماضية" ثم أنشد:

"يناديهم يوم الغدير نبيهم   بخم فاسمع بالرسول مناديا"(62)،(63)

هذا مجمل القول في واقعة الغدير و كما قلنا في التحشية، رواها علماء السنة والشيعة. وبحول الله ورعايته سوف ندرس ونتدقق في مقالٍ آخر عن موارد أخرى حول حديث الغدير.

 

 
 

درجة المقال

إرسال نظر او سؤال

إرسال الي الغير

الطبع

التسجيل

مذكرة مدارك